لماذا لا تصنع كرة القدم العراقية نجومًا بقدر شغف جمهورها؟ دراسة تكشف الأسباب الحقيقية
دراسة علمية من جامعة حلبجة تكشف أبرز العوائق المؤسسية والسياسية والمالية التي تحد من تطوير كرة القدم العراقية، وتقترح حلولًا للإصلاح. كرة القدم العراقية تطوير كرة القدم في العراق دراسة كرة القدم العراقية الرياضة في العراق اتحاد الكرة العراقي منتخب العراق أكاديميات كرة القدم المواهب الكروية البنية التحتية الرياضية الحوكمة الرياضية الاستثمار الرياضي تمويل الأندية السياسة والرياضة تطوير المواهب الرياضية SPLISS جامعة حلبجة كأس آسيا 2007 الإصلاح الرياضي الإدارة الرياضية الدراسات الرياضية
مقالاترياضة
ali
7/31/20261 دقيقة قراءة


لماذا لا تصنع كرة القدم العراقية نجومًا بقدر شغف جمهورها؟ دراسة تكشف الأسباب الحقيقية
كرة القدم في العراق ليست مجرد لعبة. إنها لغة مشتركة توحّد شعبًا مرّ بعقود من الاضطراب، وذاكرة جماعية أبرز فصولها كان ذلك الانتصار الأسطوري في كأس آسيا 2007، حين احتفل العالم كله بفريق استطاع أن يوحّد بلدًا ممزقًا لحظة واحدة على الأقل. لكن رغم هذا الشغف الجماهيري الهائل، يبقى سؤال محيّر يطرحه كل متابع: لماذا لا يترجم هذا الشغف إلى إنجازات مستدامة على المستوى الدولي؟
هذا بالضبط ما ذهب للبحث عنه عبد الباسط عثمان محمد سعيد، والأستاذ المساعد الدكتور حسن هاشم عبدالله، من جامعة حلبجة، في دراسة معمّقة لم تكتفِ بتحليل الأرقام والإحصائيات، بل جلست مع صنّاع القرار أنفسهم لتسمع منهم الحقيقة، بلا رتوش.
منهج مختلف: الاستماع مباشرة لأهل الشأن
بدل الاعتماد على تحليل الإحصائيات الجافة، اختار الباحثان أسلوبًا نوعيًا: أجريا 20 مقابلة معمّقة (تراوحت مدتها بين 23 دقيقة وساعة وسبع دقائق) مع أشخاص في قلب المشهد الكروي العراقي — نائب رئيس اتحاد الكرة، أعضاء برلمان سابقون، رؤساء فروع الاتحاد في محافظات مختلفة، مدراء رياضيون، حكام دوليون، لاعبون سابقون في المنتخب الوطني، ومدربون وصحفيون رياضيون.
ثم خضعت هذه الشهادات لتحليل موضوعي منهجي دقيق (باستخدام طريقة "براون وكلارك" العلمية المعتمدة عالميًا في البحث النوعي)، ليخرج الباحثان في النهاية بـ 35 عاملًا مؤثرًا، تمّ تصنيفها ضمن سبعة محاور رئيسية تشكّل معًا خريطة متكاملة لأزمة الكرة العراقية.
المحاور السبعة.. تشخيص شامل للأزمة
1. السياسة تسبق الكرة
كشفت المقابلات عن تنازع صلاحيات وغياب تنسيق واضح بين وزارة الشباب والرياضة، واتحاد الكرة، واللجنة الأولمبية، والاتحادات الفرعية. وصف أحد المشاركين المنظومة بأنها تعاني من "توزيع غير متساوٍ للأدوار، متأثر غالبًا بالمصالح السياسية والشخصية أكثر من التخطيط الفني". والأخطر من ذلك: أشار المشاركون إلى أن التعيينات في المناصب القيادية غالبًا ما تُبنى على الولاء لا الخبرة، وأن اختيار اللاعبين أحيانًا يرتبط بانتماءات سياسية أو عشائرية بدل الكفاءة الفنية البحتة.
2. قوانين ضعيفة ومتضاربة
أوضح المشاركون أن الإطار القانوني والتنظيمي الذي يحكم الرياضة العراقية غير واضح وغير متسق، وأن أغلب الإصلاحات تبقى فردية أو مرتبطة بمصالح سياسية بدل أن تكون جزءًا من منظومة موحدة. مثال حيّ على ذلك: الخلافات السياسية حول شرعية اللجنة الأولمبية في إقليم كردستان، رغم أن القانون العراقي رقم (19) لسنة 2019 ينص صراحة على إمكانية وجود فروع إقليمية للجنة الأولمبية.
3. أموال بلا شفافية
لا توجد آليات ثابتة للاستثمار طويل الأمد في الأندية أو أكاديميات الشباب أو البنية التحتية. الأموال، بحسب أحد المشاركين، "تُوزَّع حسب المزاج"، أي وفق اعتبارات مزاجية وسياسية لا معايير موضوعية شفافة، مع ضعف واضح في أنظمة التدقيق المالي.
4. لا خطة، لا بوصلة
غياب استراتيجية وطنية واضحة طويلة المدى يُعد من أخطر الفجوات. قارن الباحثان الوضع العراقي بتجربة ألمانيا، التي بعد نتائجها الضعيفة عام 2000 وضعت خطة وطنية شاملة شملت أكاديميات الشباب والمراكز الإقليمية، لتحصد ثمارها لاحقًا. أحد المشاركين لخّص الحاجة بجملة بسيطة: "الأهم أن تكون لدينا رؤية استراتيجية موحدة طويلة الأمد، مع آلية متابعة ورقابة، وهو ما نفتقده حاليًا".
5. مواهب ضائعة في الأقاليم
لا يمتلك العراق نظامًا رسميًا فعّالًا لاكتشاف ورعاية المواهب الشابة؛ فأكاديميات كرة القدم قليلة العدد، وغالبًا ما تُدار دون معايير احترافية واضحة، وبهدف تجاري أكثر منه تنموي. يقول أحد المشاركين: "هناك أطفال موهوبون كثر في المحافظات، لكن لا أحد يلتفت إليهم". وللمقارنة، تشير الدراسة إلى أن أكاديميات كرة القدم في الدرجة الأولى الإنجليزية تُنفق ما بين 2.3 و4.9 مليون جنيه إسترليني سنويًا على اكتشاف المواهب وتطويرها وحدها.
6. غياب تام عن الإعلام والتسويق
لا تمتلك كرة القدم العراقية استراتيجية إعلامية أو آلية واضحة لبناء العلامة التجارية أو جذب الرعاة من القطاع الخاص. ورغم انتشار منصات التواصل الاجتماعي، إلا أنها لا تُستخدم بشكل ممنهج لتعزيز الحضور أو جذب الاستثمار. وصف أحد المشاركين الوضع بصراحة: "العراق ضعيف جدًا في الإعلام وبناء العلامة، وما زلنا في مرحلة البدايات".
7. بنية تحتية غير متكافئة
صحيح أن هناك نحو 18 ملعبًا دوليًا مسجلًا رسميًا لدى وزارة الشباب والرياضة، لكن المشكلة الأعمق تكمن في غياب مرافق التدريب والإقامة المناسبة، وتركّز الاستثمارات في بغداد والمدن الكبرى، بينما يتدرب كثير من الشباب في المحافظات على ملاعب غير نظامية تفتقر لأدنى المعايير.
الخيط الذي يربط كل شيء
الأهم في هذه الدراسة ليس فقط سرد المشاكل، بل إثبات أنها مترابطة عضويًا: ضعف الحوكمة يغذي الفوضى المالية، والفوضى المالية تُجهض أي خطة استراتيجية، وغياب الخطة يُبقي المواهب مهملة، وضعف الإعلام يحرم كل هذا من الرؤية والدعم الجماهيري والاستثماري. بمعنى آخر: لا يمكن إصلاح جانب واحد بمعزل عن البقية.
الحل المقترح
يوصي الباحثان بضرورة اعتماد قيادة شفافة، وتنويع مصادر التمويل، والاستثمار الجاد في البنية التحتية، وتبنّي إصلاح جذري وشامل بدل الحلول الترقيعية. كما يقترحان استخدام نموذج عالمي معتمد يُعرف بـ SPLISS (وهو إطار علمي يُستخدم دوليًا لتقييم سياسات الرياضة الناجحة) لإعادة صياغة السياسة الرياضية العراقية بما يتناسب مع أفضل الممارسات العالمية.
في النهاية، تخلص الدراسة إلى فكرة جوهرية: إصلاح كرة القدم العراقية لا يتعلق فقط بالفوز بالبطولات، بل هو استثمار في التماسك الوطني، والهوية الثقافية، والتنمية الاجتماعية المستدامة — تمامًا كما أثبتت تلك اللحظة التاريخية في 2007 أن الكرة قادرة على توحيد ما تفرّقه السياسة.
اقرأ أيضًا
"استمع، فكّر، شارك".. تجربة أكاديمية تكشف كيف يتعلم لاعبو الصالات القوانين بشكل أفضل
سرّ "الضربة القاتلة" في كرة الصالات.. ماذا يحدث في جسم اللاعب قبل التسديد بجزء من الثانية
اللياقة القلبية التنفسية: أهميتها، فوائدها، وأفضل التمارين لتحسين صحة القلب والتحمل
قوة قبضتك وصحة كتفك: أسرار منسية لحياة أطول بدون ألم
المراجع
مبني على دراسة علمية بعنوان "التحديات التي تواجه تطوير كرة القدم في العراق" (Institutional and Political Barriers to Football Development in Iraq: A Thematic Qualitative Analysis)، للباحثين عبد الباسط عثمان محمد سعيد وأ.م.د حسن هاشم عبدالله، جامعة حلبجة، إقليم كردستان العراق، منشورة في مجلة ميسان لعلوم التربية البدنية، المجلد 31، العدد 2، 2026.
منصة شفاء
أبحاث معتمدة وتغذية متوازنة لصحتك وصحة أليفك
أقسام الموقع
© 2026 منصة شفاء-منصة تثقيفية تقدم معلومات غذائية وصحية معتمدة.
أدلة علمية موثوقة
