لحظة القفزة الحاسمة: كيف يخون "التردد النفسي" لاعبي الطائرة قبل الإرسال الساحق؟
لحظة واحدة قد تفصل بين نقطة حاسمة وخطأ مكلف. دراسة عراقية حديثة بحثت العلاقة بين التردد النفسي ودقة الإرسال الساحق من القفز لدى لاعبي منتخب تربية القادسية للمرحلة الإعدادية. النتيجة اللافتة: علاقة عكسية قوية بين التردد النفسي ودقة الأداء؛ فكلما ارتفع التردد، انخفضت الدقة. الدراسة تؤكد أن الإعداد النفسي ليس عنصرًا ثانويًا في التدريب، بل جزء أساسي من صناعة الأداء الرياضي، خصوصًا في المهارات التي تتطلب سرعة القرار والثقة بالنفس. الكلمات المفتاحية: الكرة الطائرة، التردد النفسي، الإرسال الساحق، الإرسال من القفز، الدقة المهارية، القلق الرياضي، علم النفس الرياضي، الثقة بالنفس، اتخاذ القرار، الأداء الرياضي، لاعبو المدارس، منتخب تربية القادسية، التربية البدنية، التدريب الرياضي، الرياضة العراقية.
مقالاترياضة
ali
8/10/20261 دقيقة قراءة


لحظة القفزة الحاسمة: كيف يخون "التردد النفسي" لاعبي الطائرة قبل الإرسال الساحق؟
دراسة عراقية جديدة تكشف: كلما زاد قلق اللاعب، سقطت دقته... بالأرقام
ثانية واحدة تفصل لاعب الكرة الطائرة عن أخطر لحظة في المباراة: القفزة، ثم الضربة الساحقة التي قد تحسم نقطة أو تهدر فرصة. لكن ماذا لو كانت المعركة الحقيقية لا تدور في الهواء، بل داخل رأس اللاعب؟
هذا بالضبط ما ذهب للبحث عنه الباحث م.م. حاكم عنون حنش السعيدي من المديرية العامة لتربية القادسية، في دراسة علمية حديثة نُشرت بمجلة ميسان لعلوم التربية البدنية، حاول فيها الإجابة عن سؤال يشغل كل مدرب: هل "التردد النفسي" هو العدو الخفي وراء ضعف دقة الإرسال الساحق؟
ما هو "التردد النفسي" أصلاً؟
يصف الباحث هذه الظاهرة بأنها حالة من التذبذب الذهني تلازم اللاعب لحظة الأداء: تردّد بين الإقدام والتراجع، وعدم قدرة على حسم القرار الحركي في الوقت المناسب. وهي حالة مألوفة أكثر مما نظن لدى الناشئين والشباب، إذ ترتبط بضعف الثقة بالنفس، والقلق، والخوف من الوقوع في الخطأ أمام الجمهور والمدرب والزملاء.
وبما أن الإرسال الساحق من القفز يحتاج إلى سرعة وثقة عاليتين وقرار لحظي لا مجال فيه للتردد، فقد بدت هذه المهارة تحديدًا المرشح الأمثل لاختبار تأثير الحالة النفسية على الأداء.
كيف أُجريت التجربة؟
اختار الباحث عينته من لاعبي منتخب تربية القادسية للمرحلة الإعدادية، بأعمار تتراوح بين 16 و18 عامًا، من أصل مجتمع بحث بلغ 18 لاعبًا. وبعد استبعاد بعض اللاعبين لأسباب تنظيمية (منهم لاعبو مركز الليبرو)، استقرت العينة النهائية على 10 لاعبين، أي ما يقارب 55.5% من مجتمع الدراسة.
خضع اللاعبون لأداتين رئيسيتين:
مقياس نفسي من 25 فقرة (وفق تصور محمد صبحي حسانين)، يقيس درجات مثل الخوف من الفشل، والتردد في اتخاذ القرار، والتوتر قبل المباراة، بإجابات تتراوح بين "دائمًا" و"أبدًا".
اختبار مهاري ميداني لدقة الإرسال الساحق: يُقسّم ملعب الخصم إلى مناطق مستهدفة، ويُمنح كل لاعب ثلاث محاولات متتالية، تُحتسب فيها الدرجات حسب دقة سقوط الكرة (من صفر إلى 3 درجات لكل محاولة).
أُجريت التجربة الرئيسية داخل القاعة الرياضية المغلقة لتربية القادسية، حيث طُبّق المقياس النفسي أولًا، تلاه اختبار الدقة الميداني بإشراف الباحث وفريق عمل مساعد.
النتائج: علاقة عكسية واضحة
هنا تكمن الصدمة العلمية للدراسة: أظهرت المعالجات الإحصائية باستخدام برنامج SPSS وجود علاقة ارتباط عكسية قوية ودالة إحصائيًا بين مستوى التردد النفسي ودقة أداء الإرسال الساحق.
بلغت قيمة معامل الارتباط المحسوب (-0.97)، وهي قيمة أكبر بكثير من القيمة الجدولية (0.63) عند درجة حرية 8 ومستوى دلالة 0.05 — ما يعني أن النتيجة ليست صدفة إحصائية، بل علاقة حقيقية وقوية.
بلغ الوسط الحسابي لدرجات دقة الإرسال 8 (بانحراف معياري 1.9)، بينما بلغ الوسط الحسابي لدرجات التردد النفسي 162.6 (بانحراف معياري 27.1).
أما في القياس الأولي العام لعينة البحث، فقد سجّل التردد النفسي وسطًا حسابيًا بلغ 41.40 (بانحراف معياري 2.21)، متجاوزًا الوسط الفرضي البالغ 37.50 — أي أن اللاعبين، بحسب الباحث، يحملون مستوى تردد نفسي مرتفعًا نسبيًا. في المقابل، جاء الوسط الحسابي لدقة أداء الإرسال الساحق 6.10 (بانحراف معياري 0.74).
بلغة بسيطة: كلما ارتفع منسوب القلق والتردد داخل رأس اللاعب، انخفضت دقة كرته على الشبكة.
لماذا يحدث هذا؟
يفسر الباحث هذه العلاقة بأن اللاعب المتردد ينشغل ذهنيًا بتوقع الخطأ، أو بردة فعل المدرب والجمهور والزملاء، بدلًا من التركيز الكامل على مسار الكرة ونقطة توجيهها. هذا التشتت الذهني يفقده الإحساس الحركي الدقيق في اللحظة الحاسمة، فتنخفض نسبة نجاح الإرسال.
كما يشير إلى أن مرحلة الدراسة الإعدادية تحديدًا حساسة جدًا من الناحية النفسية والانفعالية، إذ يكون اللاعبون في هذا العمر أكثر عرضة للخوف من التقييم والتردد أمام المواقف الضاغطة.
الخلاصة: العقل يُدرَّب كما تُدرَّب العضلات
تخرج الدراسة بخلاصة عملية واضحة لكل مدرب ومدرّس تربية رياضية: الإعداد النفسي ليس رفاهية إضافية، بل جزء لا يتجزأ من التدريب الحديث، لا يقل أهمية عن الإعداد البدني والمهاري.
ويوصي الباحث بضرورة إدخال اختبارات نفسية دورية لتشخيص حالات التردد لدى اللاعبين مبكرًا، وتصميم برامج تدريبية تُعنى بتعزيز الثقة بالنفس، وتحسين سرعة اتخاذ القرار، وضبط الانفعالات تحت الضغط — خصوصًا في المهارات الحاسمة كالإرسال الساحق التي لا تحتمل لحظة تردد واحدة.
فالفارق بين نقطة تُحسم لصالح الفريق وأخرى تُهدر، قد لا يكون في عضلات اللاعب، بل في ثباته النفسي قبل أن تلامس قدماه الأرض من جديد.
اقرأ أيضًا
ثمانية أسابيع فقط.. كيف جعل التدريب الفتري عالي الشدة ناشئي كرة القدم أسرع وأرشق؟
ليس الطول وحده من يصنع لاعب الطائرة الجيد.. فما الذي يصنعه فعلًا؟
من الملعب الضيق إلى الشباك.. كيف تصنع "الجمل الخططية" لاعب كرة قدم ناشئ أكثر ذكاءً وسرعة؟
من "المحطة" إلى الشباك.. كيف صنع التدريب البالستي تسديدات أقوى وأبعد للاعبي كرة الصالات؟
المراجع
مصدر الدراسة: حاكم عنون حنش السعيدي، "التردد النفسي وعلاقته بدقة أداء مهارة الإرسال الساحق من القفز بالكرة الطائرة لدى لاعبي منتخب تربية القادسية للمرحلة الإعدادية"، مجلة ميسان لعلوم التربية البدنية، المجلد 31، العدد 2، 2026.
- Jones, G. & Hanton, S. (2001). Pre-competitive feeling states and directional anxiety interpretation. Journal of Sports Sciences, 19, 385-395.
منصة شفاء
تبسيط الأبحاث العلمية وتحويلها إلى قصص
أقسام الموقع
© 2026 منصة شفاء تبسيط الأبحاث العلمية وتحويلها إلى قصص
أدلة علمية موثوقة
